شعب بريس جريدة إلكترونية مغربية _ قصة ليبية ترسم معاناة المرأة العربية
    شعب بريس مرحبا بكم         إسبانيا.. 12 محاولة تحرش بالعاملات المغربيات بحقول الفراولة             قلعة السراغنة.. تلميذ قاصر قتل زميله بواسطة سلاح أبيض             وكالة الأنباء البولونية.. المنتخب المغربي سيلعب ندا للند أمام البرتغال             أحوال الطقس غدا الأربعاء..            

  

إعلانات

         
 


أضيف في 7 مارس 2018 الساعة 11:57

قصة ليبية ترسم معاناة المرأة العربية



صورة من الأرشيف


 

 

الصادق النيهوم

أديب وفيلسوف ليبي

بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للمرأة، نعيد نشر هذه القصة التي كتبها الأديب والفيلسوف الليبي الصادق النيهوم ونشرها لأول مرة بصحيفة " الحقيقة " في بنغازي ، بتاريخ  فاتح يوليو 1968.

 

القصة بعنوان "موت السيدة ف.م "، وهي تعبير ساخر عن وضع المرأة في ليبيا وفي هذا الفضاء الذي يسمى "العالم العربي"، حيث النساء يولدن لكي يمتن معنويا قبل ان ينتقلن إلى رحمة الله، بسبب ظروف القهر والميز التي يعانين منها طول حياتهن(أو مماتهن لا فرق)..

 

"موت السيدة ف.م"، تكثيف لوضع المرأة بالمجتمعات التقليدية المطوقة بالقيود الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وقد برع الصادق النيهوم في تصوير هذا الواقع، كيف لا وهو  صاحب رؤية ثقافية وفلسفية جديدة زعزعت المتعارف عليه في "العالم العربي" وكانت رواية "من مكة إلى هنا" التي الفها الاديب أحد عناصر الجدل حول الصادق النيهوم ومشروعه الثقافي المختلف والغريب بالنسبة للثقافة في ليبيا وفي العالم العربي منذ ستينيات القرن المنصرم..

 

وأصبح النيهوم، آواخر ستينات القرن الماضي، الكاتب الليبي الأكثر شعبية وانتشارًا بين القراء الليبيين، وكان جيل جديد من المتعلمين يقف طوابير أمام أكشاك الجرائد يوم صدور المقال الأسبوعي لـ"النيهوم" بجريدة "الحقيقة"، ما جعل من هذا الكاتب صوت ذلك الجيل الجديد والمعبر عن طموحاته ورؤاه لليبيا والعالم بأسره.

 

إليكم القصة:

قالت السيدة : ف. م - من منطقه "دكاكين حميد"* عندما وقفت بين يدي الله : يا لله أنا ولدت رغم أنفي كعادة الأطفال .

 

وقطعت القابلة سُرتي بأسنانها، ووضعتني في قدر من الماء الساخن، وتركتني أنضج مثل سلحفاة مسلوخة الجلد معلنة لأهل البيت أن نجاسة البنت لا يغسلها سوى ماء الدموع .

 

ثم بكت أمي طوال الليل لأنها أنجبت بنتاً، وزارها والدي في الصباح وركلها على بطنها وقال إنه يتمنى لو ماتت قبل أن تلد تلك الفضيحة، وعندما سرى النبأ بين جيراننا، وسمعت ما يقال في "دكاكين حميد" عن إنجاب البنات، بدأت أشعر بالعار من نفسي قبل أن تمضي ساعتان على ميلادي، وكانت دارنا متسخة مثل جحر خنفساء.

 

وكانت الأرض تطفح بالمياه وبقع الدم، وحبل النفاس يتأرجح في النافذة عبر العتمة ورائحة بخور العجائز. ولقد خيل لي-فيما كانت القابلة تلفني في خرق القماط الخشنة - أنني هبطت من سمواتك العظيمة في طبق من المسامير.

 

- وكبرت رغم أنفي كعادة الأطفال .

 

وكانت والدتي تعدني لأداء مهمتي في منطقة "دكاكين حميد"، وقد علمتني كيف أغسل الصحون بالعوين وأغسل جوارب إخوتي والحصران القديمة وأمسح البلاط والمرحاض يوم الجمعة وأوقد النار بعود ثقاب واحد، وعندما بلغت الثامنة عهدوا إلي بإعداد قهوة الصباح

 

وبدأت أصحو قبل معظم الطيور..وأوقد النار بعود ثقاب واحد، وأمسح البلاط ريثما يغلي ماء القهوة، وأغسل خرق الطفل الذي ولدوه بعدي، ثم أجر قدمي المتعبتين إلى المدرسة وأبحث طوال الطريق عن عذر مناسب أقوله لمعلم الحساب.

 

وكان ذلك المعلم لا يكف عن تقريعي، وكانت والدتي تدق عنقي كلما وجدتني أكتب واجب الحساب .

 

- وكبرت رغم أنفي كعادة الأطفال .

 

وغطوا وجهي بقطعة قماش زرقاء وأعلموني أن النساء في ليبيا يخبئن وجوههن بالقماش الأزرق اتقاء لنار الحب. وقد أفزعني أن اكتشفت في اليوم التالي إن العالم بأسره صار أزرق اللون. الشمس والشوارع ووجوه المارة والتراب وولد جارنا الذي كان ينتظرني كل يوم عند مدخل الزقاق، صار حبيبي أزرق اللون .

 

وقد رأيته يبتسم من وراء قطعة القماش وسمعته يقول لي إنني أصبحت عروسة زرقاء ، وحلمت به طوال الليل. وفي الصباح رأيته يمد لي رسالة صغيرة ، وكنت أنوي أن أشتمه كما تقضي التقاليد عندما خرج والدي من البيت فجأة ورأى ولد جارنا عند مدخل الزقاق . ومنعوني من الخروج.

 

ضربني والدي حتى دق ضلوعي ، وبكت والدتي طوال الأسبوع ، وقالت إحدى جاراتنا إنني بنت داعرة مثل بقية بنات المدرسة . ثم منعوني من الدراسة ,

 

- وبقيت في البيت رغم أنفي كعادة النساء .

 

كنت أمسح البلاط وأغسل الخروق وفناجين القهوة والجوارب، ثم بدأت أعد وجبات الطعام ، ولم يعد ثمة ما تستطيع والدتي أن تفعله في بيتنا سوى أن تذهب إلى مكة المكرمة.

 

 

 

وقد ذهبت إلى هناك وماتت في طريق العودة بضربة شمس . وكانت والدتي لم تر الشمس إلا في مكة المكرمة .

 

- يا الله أنا تزوجت رغم أنفي كعادة النساء.

 

جاء نجار من الزقاق وطلب يدي في المربوعة ، وقد سمعته يتحدث ورأيته عبر ثقب الباب وكرهته كما يكره المرء قملة . وعندما نام بجانبي ليلة الجمعة وأحرق عيني برائحة قدميه بكيت من الغضب حتى طلع الصباح . ثم مسحت دموعي وطفقت أمسح البلاط وأغسل الخرق والجوارب والحصران وأعد وجبات الطعام خمس مرات في اليوم .

 

وكان النجار يتسلق صدري كل ليلة مثل قملة. وكنت أعرف أن الحب في "دكاكين حميد" مثل غسيل الحصران مجرد واجب من واجبات الزوجية .

 

وذات يوم يا الله فسد العجين في بيتنا واضطررت أن أطل برأسي عبر الباب لكي أبحث عن طفل يحمل خبزنا إلى الفرن ، وقد رآني جارنا الخراز ووشى بي عند زوجي ، فدق ضلوعي بعصا المكنسة ، ودعاني امرأة عاهرة وربطني بحبل البئر طوال النهار.

 

وعندما ذهبت إلى بيت والدي أعادني إليه في المساء وقال لي إن عصا النجار من الجنة .

 

وعدت أمسح البلاط وأعد وجبات الأكل وأطارد الصراصير بفردة الحذاء وأغسل الخرق والصحون وأنجب الأطفال وأخيط الأزرار المفصومة .

 

يا لله أنا قضيت في الدنيا خمسين عاماً من نسخة واحدة . وعلت وجهي التجاعيد وانحنت ركبتاي في نهاية المطاف ، وطفق شعري يتساقط من أثر الرطوبة . وذات يوم وجد زوجي شعرة في صحن العشاء ، وضربني بحزامه الجلدي حتى أسال دمائي ثم ربطني بحبل البئر . وعندما ذهبت إلى الطبيب في الصباح ضمد جراحي ورثا لحالي وقال إنني مصابة بالروماتيزم والسل وقليل من السرطان .

 

- ثم مت رغم أنفي كعادة النساء .

 

واكترى زوجي فقيها قرأ عند رأسي : ( قل هو الله أحد ) ألف مرة مقابل عشرة جنيهات ، ووضعوا جثتي في قدر من الماء الساخن .

 

يا الله أنا جئت إلى "دكاكين حميد" في قدر من الماء الساخن. وخرجت في القدر نفسه دون أن أحمل من الدنيا سوى آثار الحزام الجلدي وعصا المكنسة .

 

يا الله أنا لم أرى من هذه الدنيا الزرقاء ، سوى البلاط وصراصير مرحاضنا وفردة الحذاء .

 

ولم أسمع شيئاً سوى شخير النجار ونهيق بغال العربات والإذاعة الليبية .

 

يا لله، أنا قضيت في "دكاكين حميد" خمسين عاماَ من نسخة واحدة ودفنوني بعد ذلك في المقبرة التي تقع على بعد مئة متر من بيتنا ، فهل أرسلتني يا الله إلى دنياك لكي أمشي فيها .

 

*دكاكين حميد: مجموعة من الدكاكين بحي الصابري بمدينة بنغازي الليبية





شروط التعليق في الموقع

اضغط هنـا للكتابة بالعربية 

( لوحة مفاتيح اللغة العربية شعب بريس )

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أضف تعليقك على هذا الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



اقرأ أيضا

الفنانة المغربية وئام الدحماني ماتت مقتولة!!

كاتب مكسيكي.. التشابه بين المغرب والمكسيك يفتح الطريق أمام "جيوسياسة ثقافية" جديدة

يونس بولماني.. صرخة ابناء المغرب العميق في وجه المسؤولين عن الشأن الثقافي

سعد المجرد يعلن عودته إلى المغرب في الأيام المقبلة

المحكمة تمنع إخفاء أعمار ممثلات هوليود

عبد الرؤوف يغادر غرفة الإنعاش

أسامة التونسي.. حالة والدي مقلقة وادعوا له بالشفاء

الخلوفي: أغنية "موكادور مون آمور" تترجم عشقي وغرامي لمدينة الصويرة + الفيديو

مراكش.. إعادة افتتاح "دار الباشا.. متحف الروافد" بعد سنة من الترميم

البشير سكيرج يهاجم المخرج عبد الرحمن التازي





 
  

إعلانات

                
  الرئيسية اتصل بنا  اعلن معنا   تنويه   انضمو لنا بالفايس بوك  شركة وصلة