شعب بريس جريدة إلكترونية مغربية _ الحراك الشعبي وتحديات المرحلة الانتقالية بالجزائر
    شعب بريس مرحبا بكم         النقابة المستقلة لأطباء القطاع العام ترفض "وعود" وزير الصحة             ثورة الملك والشعب ملحمة فريدة في مسيرة المغرب لدحر الاعتداءات الاستعمارية             "مجزرة الطيور" بمراكش.. مندوبية المياه والغابات تفتح تحقيقا             المدينة العتيقة في الرباط تستعيد رونقها +فيديو            

  

إعلانات

         
 


أضيف في 5 أبريل 2019 الساعة 15:32

الحراك الشعبي وتحديات المرحلة الانتقالية بالجزائر



صورة من الأرشيف


 

مولود مدي*

ورحل عبد العزيز بوتفليقة بعد عشرين عاما من الحكم الذي أوصل الجزائر الى الحضيض في كل المجالات، أسقط الجزائريون بسلميتهم أحد أكبر رؤوس النظام المبني على الفساد والزبائنية من جهة واحتكار الفضاء العام ونشر الرداءة في الممارسة السياسية لمنع أي تسييس في المجتمع الجزائري من جهة أخرى.

 

 هذا الرئيس قال يوما عندما جاء الى الحكم "أنا الجزائر، ولا يمكن للجنرالات أن يسقطوني، اذهبوا وقولوا للجنرالات أن يأتوا ليقوموا بإزاحتي من الحكم ان استطاعوا". بالنسبة الى الكثير من الجزائريين، إجبار بوتفليقة على الإستقالة قبل نهاية عهدته ورفض ترشحه للعهدة الخامسة هو انتصار بحد ذاته، ولو أن اهداف الحراك ليست فقط التخلص من بوتفليقة، لكن هو بمثابة انتصار معنوي كبير يزيد من ثقة وزخم الحراك، لأن كل المؤشرات قبل 22 فبراير هي أن البلاد تتجه بخطوات ثابتة نحو العهدة الخامسة، وأن لا أحد بإمكانه ايقاف هذا النظام.

 

 اليوم الجزائريون يستعدون لمرحلة جديدة ولإمتحان جديد للحراك وهو المرحلة الإنتقالية، ونعتقد أنه علينا أن نفهم بأن هذه المرحلة ستكون أصعب، فهي تهدف الى القضاء على فلسفة حكم جثمت على صدور الجزائريين لمدة عشرين سنة وهذا ليس بالأمر الهين، لذلك يجب أن يكون الحراك الشعبي على علم بالتحديات التي سيواجهها في ظل هذه المرحلة.

 

المرحلة الانتقالية هي مرحلة طبيعية وحتمية فى أي تحول ديمقراطي وغالبا ما تكون مرحلة ضبابية لان رؤوس النظام التي ادعت أنها ستخلد في السلطة الى يوم الدين قد سقطت ولكن النظام بميكانيزماته  و"مؤسساته" واصحاب المصالح المرتبطين به لم يسقطوا كلهم بعد، بل مازالوا يقاومون ويحاولون العودة بطرق أخرى وأقلها الإدعاء أنهم سيستجيبون للإرادة الشعبية والوقوف مع الشعب، وتنظيم ندوة وطنية وغيرها من المقترحات في "ديمقراطية كلامية"، وهذا ما يسمى بالثورة المضادة حيث تتم إعادة التموقع في السلطة بأشكال أخرى، مثلما اعاد النظام التموقع وانتاج نفسه بعد 5 اكتوبر 1988 ، بإدعاء الإصلاحات الدستورية وفتح المجال أمام التعددية السياسية، فأصبحت هذه المكاسب نفسها وسيلة لإعادة انتاج النظام واعطاءه صورة ديمقراطية أمام الدول الاخرى، وهذا لأن الشعب أنذاك هو من كلّف السلطة بتطبيق تلك الإصلاحات التي وعد بها الرئيس الأسبق "الشاذلي بن جديد".

 

المرحلة الإنتقالية مهمة جدّا لانها هي من سيحدد هل نجح الحراك الشعبي أم لا، فذهاب بوتفليقة لا يعني التغيير وبقاء نظامه وسياساته يعني أن الجزائريين لم يقوموا بأي تغيير، خروج بوتفليقة لا يحل الأزمات الاقتصادية ومشاكل البطالة لثلثي الشباب، لكنه فرصة لبدء مسار تغيير مؤسساتي وحقيقي في البلاد، يعالج الإرث الصعب للعقود الأخيرة، ويضفي تعددية على موارد البلاد الاقتصادية والتمثيل السياسي.

 

فالاعتماد الكلي على الغاز والنفط ساهم في الجمود الاقتصادي، والكارثة هي أن هذه الثروات أصبحت نقمة على البلاد بعدم استغلالها في بناء اقتصاد منتج ودائم، بل وسيلة لشراء الذمم واسكات المعارضة بكل أشكالها، وتسبب هذا الريع في خلق بورجوازية مالية  شرسة ومفترسة تتغذى من أموال الصفقات العمومية، حطمت الإقتصاد الوطني وجعلته اقتصادا تابعا للخارج، وفي شراكة مع أبناء جنرالات ينشطون في التجارة والاستيراد، واستغلال المناصب العليا حتى في تجارة المخدرات، وكلنا نعرف أن أكبر مثال على قولنا هو فضيحة الكوكايين.

 

المرحلة الإنتقالية لن تكون سهلة، لأنها ستتميز بتحديات داخلية وخارجية، ومن أبرز التحديات المحلية أمام الحراك الشعبي هي القدرة على تحقيق الشرعية الشعبية التي تقود الدولة، وبناء جيل يؤمن بالتعددية السياسية والديمقراطية، ويُنشِئ نظاما سياسيا سليما، والقدرة على رسم الاستراتيجيات والخطط الوطنية.

 

 صحيح أن الحراك الشعبي جمع كل الاطياف الايديولوجية تحت هدف واحد "تغيير النظام"، وقد تفطن الجزائريون كلهم الى أن النظام يريد اعادة انتاج نفسه في كل مرة عن طريق استبدال بيادق ببيادق أخرى فأخرج شعارا آخر وهو "يتنحاو قاع" (فليرحلوا جميعا)، لكن يمكن أن تتبخر المكاسب التي افتكّها الحراك، عن طريق حدوث اشتباك بين مفهومي شرعية الحراك الشعبي، والشرعية الديمقراطية. فهناك من ينظر إلى هذا الحراك باعتباره غاية، ومن ثم يعتقد أن الحراك دائم، بمعني ألا يكون لهذه الإنتفاضة أيّة حدود، فتسقط النظام ثم تسقط معه الدولة، ثم تؤسس على أنقاضها دولة الثورة، التي تدعي تطهير نفسها من النظام القديم والبشر القدامى، بحيث لا يعرف أحد أين يتم التوقف.

 

مدة المرحلة الإنتقالية يجب أن تكون محصورة بين الستة أشهر وعام على أقصى تقدير، استغراق المراحل الانتقالية فترات طويلة، بفعل بطء أو ارتباك الخطوات المتخذة، ينذر بقيام صراعات أجنحة من أجل السيطرة على الحراك، مثلما قام ذلك الصراع الذي إشتد في الأيام الماضية بين اجنحة السلطة (المؤسسة العسكرية-الجناح الرئاسي)، وصراع الاجنحة داخل السلطة هو ظاهرة تستحق الدراسة فهي من محركات الثورة وتعبير عن قرب نهاية النظام السياسي وقد تكون في الجانب الآخر وسيلة لتحوير الإنتفاضات الشعبية في اتجاهات لا تخدم الشعوب.

 

 ففي روسيا، استمرت المرحلة الانتقالية ما بين ثورتها الأولي عام 1905، وثورتها الثانية عام 1917، نحو 12 سنة، فتحول الصراع بين الشعب الروسي والنظام الملكي الروسي بقيادة رومانوف الى صراع بين البرجوازية الممثلة في حكومة ألكسندر كيرنسكي والبلاشفة بزعامة فلاديمير لينين انتهت بإنتصار البلاشفة وأصبح الشيوعيون يدّعون أن الثورة هي ملكهم، فأسسوا لديكتاتورية جديدة عوّضت ديكتاتورية رومانوف.

 

 ونفس الأمر حدث في الثورة الفرنسية ي 1789 عندما نشب صراع بين النبلاء وعائلة البوربون المالكة، لكن أستغلت الطبقة البرجوازية المهمشة ذلك، وجرت وراءها طبقة العامة، فحولت مجرى الأحداث التي أندلعت لصالحها، مما أدى إلى نشأة نظام جديد تماما في فرنسا.

 

المرحلة الانتقالية تأتي بمطالب شعبية ملحة، وهذا أمر لا مفرّ منه، تستدعي إجراء تغييرات جذرية في توزيع القوة والثروة داخل المجتمع، والمطالبة بالعدالة ومحاسبة الفاسدين وكل من تورّط وتواطأ مع النظام البوتفليقي ولكن هناك عدة عقبات فالمؤسسات بطبيعتها مقاومة للتغيير، والطبيعة المعقدة للمشاكل التي تواجهها النظم في مراحل التحول الديمقراطي تفتح الباب دائما أمام الدعوات للتمهل والتدرج في تنفيذ التغييرات المطلوبة.

 

 فمثلا مطالبة الجزائريين بمحاسبة حدّاد، وكونيناف وغيرهم من "رجال الشكارة"، يتجاهل حقيقة واقعية وهي أن ليس هناك عدالة مستقلّة في الجزائر وليس هناك مؤسسة قضائية تستطيع أن تعمل دون أوامر هاتفية، أو بعيدا عن تهديدات الأجهزة الأمنية.

 

 المرحلة الإنتقالية تعني أن كل المؤسسات الموروثة عن النظام هي مؤسسات غير شرعية وبالتالي يجب التفرغ أولا لإعادة بناء مؤسسات الدولة، ومن ثم تأتي المحاسبة كنتيجة طبيعية، لذلك يجب حاليا الإستمرار في الضغط سلميا، والنضال الى غاية زوال كل هذا النظام، ويجب الاكتفاء مؤقتا بفرض الإقامة الجبرية والتوقيفات ومنع تهريب الأموال، لأنه لا يجب أن نغفل أن هناك اجنحة في السلطة تريد الإنتقام من رجال المال الفاسد لأنهم كانوا من أحد أدوات بوتفليقة في تقليل نفوذ الجيش والمخابرات، وبهذا تفقد العدالة معناها الحقيقي وتتحول الى انتقام شخصي، لن يستفيد منه المتضرر الحقيقي من سيطرة المال الفاسد على الدولة وهو المواطن الجزائري.

 

ملف العلاقات الدولية هو أيضا أحد تحديات المرحلة الإنتقالية، التدخلات الدولية والإقليمية داخل دول الإنتفاضات الشعبية بطرق مباشرة أو غير مباشرة تتصاعد إلى مستويات شرسة في فترات ما بعد الثورات، بحيث قد تربك المعادلات الداخلية، لا يجب أن ننسى أن هناك دول يخدمها بقاء النظام الحالي كما هو، يخدمها المناخ الإستبدادي الذي يسود الجزائر، ومن هذه الدول روسيا والإمارات مع حليفتها السعودية وهذه الدول الخليجية تدعمان فكرة قيام نظام عسكري في الجزائر و ظهور "سيسي" آخر في المنطقة.

 

 كما أن هذه الدول تمتلك علاقات قوية مع الانظمة غير الديمقراطية، فحسب أحد الابحاث الصادرة عن مركز الابحاث الامريكي المعروف "كارنيجي"، فإن روسيا تتخوف من قيام نظام ديمقراطي ليبرالي وهذا معناة ميل الكفة لصالح الولايات المتحدة التي عرفت علاقات مع الجزائر ليست بتلك القوة التي تتميز بها علاقات الجزائر مع روسيا من صفقات سلاح ضخمة وتعاون في مجال سوق الغاز، بينما لا تكاد تبلغ حصة الولايات المتحدة في السوق الجزائرية سوى 5 بالمائة.

 

إن الحراك الشعبي في الجزائر الذي أبهر العالم وأصبح مضرب الأمثال حتى في الدول الديمقراطية التي ترى ان المسيرات  الشعبية  هي حدث عادي بسبب باعها الطويل في الديمقراطية ومشاركة الشعب الفعلية في صياغة  سياسات تلك البلدان، يجب أن تتبعه مرحلة انتقالية ناجحة أيضا في مستوى سمعة هذا الحراك ومطالبه.

 

 وعلى الشخصيات التي ستقود هذه المرحلة أن تفهم أنها ليست فقط أمام مسؤولية كبيرة، بل يجب أن تضع في الحسبان، أن الحراك الشعبي ورائه، شباب تجاوزوا نسبيا الإنغلاقات والدوغماتيات الأيديولوجية، وهذا شيء يحسب للحراك وكان من أحد عوامل قوته الضاربة، فلا داعي لأي نقاشات ايديولوجية هوياتية ودينية قد تتسبب في تخريب كل جهود الجزائريين، لأن الإيديولوجيا لم تكن وراء خروج الشباب الى الشارع، بل هم يبحثون عن الحريات و حياة الرفاهية، وهذا يتم بتركيز العمل السياسي وكل مبادرة على هذه الجوانب.

 

* مدوّن جزائري

 





شروط التعليق في الموقع

اضغط هنـا للكتابة بالعربية 

( لوحة مفاتيح اللغة العربية شعب بريس )

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أضف تعليقك على هذا الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



اقرأ أيضا

الطلبة في الجزائر يتظاهرون للثلاثاء السادس والعشرين على التوالي

الجزائر.. الحراك والسلطة في مأزق

الصحراء المغربية.. خالد نزار يكشف تورط النظام العسكري الجزائري في النزاع

الجزائر.. موجة اعتقالات لمحاربة الفساد

للمغاربة الراغبين في الهجرة.. ألمانيا تخفف الإجراءات

الافراج عن السفينة الايرانية المحتجزة

السعودية.. وفاة حاج مغربي و11 حاجا جزائريا

الناشطة السعودية لجين الهذلول ترفض الإفراج عنها

الجزائر.. العطش يهدد عدة مناطق

فيسبوك استمع إلى المحادثات الصوتية لمستخدميه





 
  

إعلانات

                
  الرئيسية اتصل بنا  اعلن معنا   تنويه   انضمو لنا بالفايس بوك  شركة وصلة