شعب بريس جريدة إلكترونية مغربية _ الوتر المفقود
    شعب بريس مرحبا بكم         خبراء يكشفون ثغرات أمنية "مقلقة" لشركات تقنية عملاقة             بدء اختبار لقاح شامل ضد السرطان!             بهذه الطرق يمكنك تجنيب سيارتك أضرار حرارة الصيف             كأس العالم يزيد جرائم ضرب الزوجات في المنازل            

  

إعلانات

         
 


أضيف في 10 غشت 2011 الساعة 01 : 11

الوتر المفقود





 

 



 

بقلم صالح قمران

"شعيبة" هكذا ينادونه، فيستجيب على التو، قاموسه اللغوي هجر منذ مدة لفظ"لا"، هكذا كان ومازال"شعيبة" في عقده الثالث، من أول نظرة لسحنته تبدو لك أن قدرية الزمن نحتت على أسارير وجهه المتغضن علامات كبرى أشر عليها بإزميل هيروغليفي عبارة: "هنا أعراض الإقصاء الإجتماعي"، بدليل أننا أمام عينة بشرية مرت من مراحل ألم اجتماعي طويل امتد لثلاثة عقود كاملة.

يحكي "شعيبة" أنه نشأ في أسرة تقبع في حضيض الهرم الاجتماعي، تم تسليمه من مصلحة المواليد المتخلى عنهم بأحد المستشفيات البيضاوية بقصد التبني بعد ثبوت عقم الزوجة/الكفيلة ثبوتا طبيا مانعا للجهالة، ولربما اعتبر هذا السبب الأخير- والعهدة على قول الراوي– من الأسباب المباشرة التي جعلت  رئة هاته الأسرة  تتنفس أوكسجينا متعفنا مفعما ببغضاء أسرية فظيعة، أفضت في الأخير إلى طلاق أمه بالتبني من الأب بعد تدخل سافر لمؤسسة "الحماة" والتي اعتبرت أن عقم الزوجة بمثابة شهادة وفاة لميثاق الزواج، آثر بعدها "شعيبة" أن يهيم على وجه هذه البسيطة بعد أن انقطعت صلات أبويه بالتبني، عاريا إلا من شهادة إدارية متلاشية تفيد أنه ابن مجهول الأبوين، هكذا تنكرت له آصرة الدم والقرابة الأسرية، وهجرته كل معاني الدفء الاجتماعي الحميمي لتستقبله أزقة وشوارع وبوابات المنازل والعمارات حيث ينعم سكانها بدفء معيشي، في حين يركن عند العتبات يندب حظه هو الذي تربى تربية مهزومة لم تترك له فرصة الاستعداد والتأهب لمواجهة نوائب دهر قاس غير رحيم، والحال أن الطبيعة بجبروتها وبأقدارها أقسمت بالثلاث أنها لن توقع مع الإنسان ومنذ الخليقة الأولى الاتفاقية النهائية للهدنة ووقف إطـــــلاق النار، فلربما بل من اليقين الجزم أننا نحن البشر سنكتوي بنار تبعات الخطيئة الكبرى ومرارة التفاحة اللعينة التي قضمها آدم طريد الجنة.

تحركت عجلة الزمن وبانت في الأفق أن البوصلة الموجهة لقارب"شعيبة" بعيدة عن شاطئ النجاة وأنها متجهة مع سبق الإصرار والترصد نحو  عوالم معتمة من البؤس الإنساني، لم يجد معها  صاحبنا من أنيس لخرق جدار صمتها وإضاءة ولو جزء يسير من عتماتها ودياجيرها سوى كمانه الصغير المصنوع من صفائح قصديرية رمت بها دورة الإنتاج وآلية السوق على الهامش تماما كما رمى الزمن الغادر هذا الشاب البريء على مسودة وحافة التاريخ.

وإيمانا منه أنه لا إبداع بدون ألم، فقد ولع "شعيبة" ولعا شديدا بالأغاني الشعبية لفرق فنية حفلت بها الساحة الفنية المغربية حتى أضحت ظواهر وهامات كبرى وعلامات فارقة في المشهد الفني المعاصر كجيل جيلالة وناس الغيوان ومسناوة ولمشاهب والسهام، يردد أغانيها ويحفظها عن ظهر قلب ولطالما سمعته يعزف الكثير من المقاطع الموسيقية المغناة مستعينا بكمانه صديق عذاباته السيزيفية، وكنت دوما أنصت بإمعان مفرط لمقطع لفرقة جيل جيلالة كان بمثابة اختزال لسؤال بداياته الأولى وحكايته مع مخاض البؤس والحرمان، يقول :


يادوك اللايمين رفقوا من حالي،

علاش تعيبوا في قولي وافعالي،

آش درت أنا، آش درت فيما يجرا لي،

ما ناش لي خترت لعيوب ديالي،

علاه أنا يوم صت راسي في الدنيا جيت بشوار،

علاه أنا يوم زلكوني رجليا كان لي خبار...


فكأنه بذلك يساءل الأعالي عن حاله ومآله، عزف على كل الأوتار وبرع في ترويضها لتنطق بأنينه الداخلي، ففي صوته المبحوح كنت أتلمس عتمات ليل الحياة، ومن زفراته الحارة المنبعثة بصدق من صدره المكلوم كنت أتحسس تفاصيل حكاية انكساراته واحتراقاته الكبرى، لكني أنا المقتنع بعدم عبثية الخلق كنت دوما أناديه: "بوشعيب، بالأمل تحيا".

 ولأن دوام الحال من المحال، فضل "شعيبة" أن ينفض عنه غبار الزمن، وقرر أن يهجر حيه حيث سئم من روتين عمله المجاني لفائدة سكانه مقابل ما تجود به قرائحهم الشحيحة من فضلات القوت، اختار ذلك طالبا فضاءات الله الواسعة عله يجد عملا يمنحه على الأقل تأشيرة التخلص من نظام السخرة المهينة المفروضة عليه ويرجع له بالتالي آدميته وكرامته التي ضاعت منه في ظروف قاهرة وفي زحمة حياة لا ترحم من فقد أجنحته الظليلة  في المهد، خاصة في زمن لا تأتي فيه المصائب فرادى.

هكذا استقر به الحال بعد طول الترحال بمدينة من مدن الشمال المغربي، لكن هيهات، هناك استفاق على حقائق مرة، فكلما تقدم طالبا العمل إلا وطلب منه إثبات هويته، فكانت بالفعل ضربة قاضية أصابت آماله بسهم صميم يعلن بعدها حكم الحلبة بأن الجولات استنفذت وأخرى مثقلة بالشقاء الأبدي آتية لا ريب، فكيف لمثله الذي عانق جدران التشرد ووقع معها مجبرا اتفاقيات التوأمة، وكيف لصمامات قلب متعب وجسد منهك، عار من الحنان والعطف والمحتضن حضانة المهانة بشوارع وأزقة أن يحصل على هوية، قــــــرر وهو المنكســـــــــر و المغلوب على أمره، أن يسأل عن حاله الأجرام والأبراج والأفلاك والأعالي وقارئات الفنجان، فأتاه صوت العندليب الصداح ذي البشرة السمراء، المنبعث من أفنان شجرات الفن الأصيل، من أرض الكنانة يناديه عبر ترانيم وتقاسيم حزينة يوم كان زئير الأغنية العربية يستأسد في عرين الفن:


"فكرت ونجمت كثيرا، لكني لم أقرأ أبدا فنجانا يشبه فنجانك،

فكرت ونجمت كثيرا، لكني لم أعرف أبدا أحزانا تشبه أحزانك".


أتعبته حرقة سؤالات  البداية الأولى منذ أن لفظته العضلات الحية المجهولة الانتساب إلى فضاء هاته الحياة، تيقن بعدها أنه لن يقدر على إخماد نيران هاته الجمرات الملتهبة والمنبعثة من فوهة بركان خيانة مالكي نطفة الولادة الأولى وحمم الانعزال المميت إلا بالإيمان بالقدر، جره الحنين إلى معانقة مدينته الأصلية بعدما صدت أمامه كل الأبواب التي خطط لها في مخيلته لرسم معالم الطريق الآتي، ومازالت شذرات نغماته وتقاسيمه تعزف من دون كلل، وبإيمان قوي وببراعة متناهية تشنف أسماع أبناء الحي، طوعت أنامله الماهرة كل الأنغام إلا نغمة الهوية فهي وتره المفقود.      

 





شروط التعليق في الموقع

اضغط هنـا للكتابة بالعربية 

( لوحة مفاتيح اللغة العربية شعب بريس )

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أضف تعليقك على هذا الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق



اقرأ أيضا

أسئلة سخيفة بإجابات علمية: لماذا لا يروي عطشنا إلا الماء؟

دراسة حديثة.. دور أشعة الشمس في الحماية من قصر النظر

دراسة: شرب الماء والسوائل أمام الحاسوب قد يسبب السرطان

بعيدا عن الطقس.. هذه أسباب برودة أصابع اليدين

نبوءة مضيفة "مصر للطيران" تتحقق

من هولندا الى سرير بارد بسلا.. الصحافي علي لزرق ينتظر الموت المحقق

كيف. تحاربي الانفصال العاطفي..؟

10 طرق لوقاية الرجال من الإصابة بالسرطان

حكاية سيدة مكلومة في فلذة كبدها تجري وراء معرفة حقيقة ابنها المختفي منذ ست سنوات

عائلة مغربية تقوم برحلة حول العالم في خمس سنوات





 
  

إعلانات

                
  الرئيسية اتصل بنا  اعلن معنا   تنويه   انضمو لنا بالفايس بوك  شركة وصلة